ابن أبي الحديد
216
شرح نهج البلاغة
( 68 ) الأصل : لا يرى الجاهل إلا مفرطا أو مفرطا . * * * الشرح : العدالة هي الخلق المتوسط ، وهو محمود بين مذمومين ، فالشجاعة محفوفة بالتهور والجبن ، والذكاء بالغباوة والجربزة ( 1 ) ، والجود بالشح والتبذير ، والحلم بالجمادية والاستشاطة ، وعلى هذا كل ضدين من الأخلاق فبينهما خلق متوسط ، وهو المسمى بالعدالة ، فلذلك لا يرى الجاهل إلا مفرطا أو مفرطا ، كصاحب الغيرة فهو إما إن يفرط فيها ، فيخرج عن القانون الصحيح فيغار لا من موجب ، بل بالوهم وبالخيال وبالوسواس ، وإما أن يفرط فلا يبحث عن حال نسائه ولا يبالي ما صنعن ، وكلا الامرين مذموم ، والمحمود الاعتدال . ومن كلام بعض الحكماء ( 2 ) : إذا صح العقل التحم ( 3 ) بالأدب كالتحام ( 4 ) الطعام بالجسد الصحيح ، وإذا مرض العقل نبا عنه ما يستمع من الأدب كما يقئ الممعود ما أكل من الطعام ، فلو آثر الجاهل أن يتعلم شيئا من الأدب لتحول ذلك الأدب جهلا ، كما يتحول ما خالط جوف المريض من طيب الطعام داء .
--> ( 1 ) الجزيرة : الخب والمكر . ( 2 ) ا : " ومن كلام الحكماء " . ( 3 ) ا " التأم " . ( 4 ) ا : " كالتئام " .